post

عسير تاريخ ضارب في القدم - الجزء 2

بقلم: سعيد القرني
التاريخ: 2020-04-18

شهدت الجزيرة العربية منذ بداية النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد نشاطاً حضارياً متزايدا تمثل في ظهور العديد من الممالك العربية في أجزاء مختلفة من الجزيرة العربية ففي جنوب الجزيرة العربية ظهرت مملكة معين ، وسبأ ، وحضرموت وقتبان ،‏ وأوسان ، وفي وسط الجزيرة العربية ظهرت كندة التي تمثلت من خلال حضارة قرية " الفاو " وفي شمال وشمال غرب الجزيرة العربية ظهر الديدانيون واللحيانيون والأنباط،  أما في شرق الجزيرة العربية فظهرت حضارة الجرهاء ودلمون ، من ناحية أخرى وكما ذكرنا بالجزء الاول بأن موقع  منطقة عسير أدى دوراً مهماَ في ازدهار هذا النشاط الحضاري‏ حيث أهَلها لكي تكون ممراً لأهم الطرق التجارية البرية التي كانت تربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها الشرقي والغربي مما أدى الى نشأة وازدهار العديد من المدن في أنحاء الجزيرة .
 
وقد يتسأل القاري الكريم هل كانت وعورة الجزء الرئيس من منطقة عسير  عائقا أمام النشاط التجاري؟ والحقيقة لم تكن عائقا  بل ربما أسهمت‏ في جعلها  أماكن مناسبة لأن تكون محطات للقوافل التجارية ، تتوقف بها لمدد قصيرة ، نظراَ لتوفر المياه ، كما أن تعدد مسار هذا الطريق أدى أيضا  إلى نشأة وازدهار العديد من المدن والقرى في شتى انحاء المنطقة ، ذلك لأن الطرق البرية لم تكن ثابتة بسبب اضطراب الأحوال السياسية في المناطق التي تمر بها ، وكثيراَ ما يضطر أصحاب القوافل الى تغيير مسار الطريق المعتاد ، بسبب عدم الاستقرار السياسي والأمني في المناطق التي يسلكونها ، ويبدو أن موقع عسير احتل مكانة مهمة على هذا الطريق ولذلك فان هذا الطريق كان يخترق المنطقة عبر ثلاثة مسارات مختلفة من الناحية‏ الشرقية للمنطقة عبر وادي تثليث وعبر المرتفعات الجبلية وأيضا عبر السهل الساحلي من الجهة الغربية، ولعل أقدم مسارات هذا الطريق هو ما كان يعرف بدرب البخور الذي اشتهر منذ نهاية الألف الثاني قبل الميلاد , وكان يمر من بئر حمى بمنطقة نجران ، ثم الأجزاء الشرقية من عسير وهي أماكن سهلة الى حد بعيد‏ بالمقارنة بالمناطق الجبلية، أما المسار الآخر الذي يعد الأقصر من حيث المسافة بالمقارنة بالمسار الأول، والذي يبدأ من صعدة ويمر من ظهران الجنوب، ثم يعبر جبال السروات حتى الطائف ، فقد تم إنشاؤه على الأرجح في عهد الملك أبي كرب أسعد، الذي حكم خلال المدة من 375 – 420م وهو الطريق‏‏ الذي كانت تسلكه جيوشه عندما كان يذهب من جنوب الجزيرة العربية الى شمالها، نظراَ لما وصلت اليه دولته من تقدم كبير آنذاك، وهو الطريق نفسه الذي استخدمه أبرهة فيما بعد في حملته المشؤومة على مكة المكرمة واشتهر بدرب الفيل من ذلك الحين، ويبدو أن ابرهة اجرى بعض التحسينات على بعض‏ اجزاء هذا الطريق كي تتناسب مع ما كان يضمه جيشه من عربات وفيلة وتظهر معالم هذا الطريق على شكل اجزاء مرصوفة بألواح حجرية تم وضعها بأسلوب فني دقيق، ويتراوح عرض هذا الطريق ما بين 6 – 10 م، وذلك تبعاً لوعورة الأجزاء التي يمر من خلالها  ويبدو أن هذا المسار كان يستخدم على نطاق‏ واسع خلال العصر الاسلامي وكان يعرف بدرب الحاج اليمني الواصل بين صعدة ومكة المكرمة الى جانب المسار الغربي الذي كان يمر عبر ساحل تهامة ويعد أسهل هذه الطرق على الإطلاق.

 
لقد كانت التجارة باللبان والمر اللذين تنمو اشجارهما في جنوب الجزيرة العربية وكذلك البخور والطيوب‏ والتوابل والملابس، وبعض المنتجات الأخرى القادمة من الهند والصين، تمثل نشاطاً في غاية الأهمية لسكان الجزيرة العربية وبلاد الشام وبلاد ما بين النهرين ومصر، ولعل أهمية الطريق التجاري كانت سبباً في صراع القوى السياسية داخل وخارج الجزيرة  العربية بين وقت وآخر للسيطرة على المناطق‏ التي يمر خلالها، أو لتوفير أمن القوافل وضمان استمرار الطريق، وهو الأمر الذي يؤدي الى تغير مسار الطريق من وقت إلى آخر.

 
وقد كان الطريق التجاري القديم يبدأ من جنوب الجزيرة العربية فيمر قريباً من نجران ثم يتفرع عند بئر حمى الى فرعين رئيسيين: الأول يتجه الى الشمال الشرقي مروراً‏ بالفاو (قرية ) والأفلاج، ويعبر اليمامة إلى الهفوف التي كانت تعرف بالجرهاء قديماً، ثم يتجه بمحاذاة الخليج العربي شمالاً إلى بلاد ما بين النهرين، في حين يتجه الفرع الآخر من الطريق الى الشمال الغربي من الجزيرة العربية عبر وادي تثليث ثم ينحرف الى الغرب مروراً بالأطراف الشرقية‏ من عسير ويمر عبر موقع جرش بالقرب من خميس مشيط، ويستمر عبر جبال السراة حتى الطائف ثم يتجه منها الى مكة المكرمة، ثم المدينة المنورة، ومنها إلى العلا و الحجر،‏ ‏ ومن ثم  إلى البتراء وبلاد الشام وصولاً إلى مصر عبر سيناء.

  
وعليه فإنه يتضح بأن التجارة كانت من أبرز العوامل التي ساعدت على تبادل التأثيرات الحضارية بين مختلف الحضارات داخل وخارج الجزيرة العربية، ولعل موقع عسير بين كندة في الشرق ونجران ومدن ممالك جنوب الجزيرة العربية في الجنوب‏ ومكة المكرمة ومدن شمال الجزيرة العربية في الشمال، إلى جانب مرور الطريق التجاري عبر أجزاء عديدة منها، جعلها مسرحاً لمختلف التأثيرات الحضارية، فظهرت جرش بوصفها واحدة من أبرز حواضرها، وبلغت أوج ازدهارها خلال فترة ما قبل الإسلام، واستمرت خلال الفترة الإسلامية تمثل أبرز المدن‏ في المنطقة وفي الجانب الآخر ظهرت برك الغماد على ساحل البحر الأحمر وكذلك ضنكان في ساحل تهامة، وأيضا  تبالة، وبيشة، ناهيك عن المدن والقرى والآبار والمحطات التي تنتشر في أنحاء المنطقة بما تحويه من معالم عمرانية وكتابات ونقوش صخرية.

 
وعندما أشرقت شمس الاسلام في مكة المكرمة كانت عسير تعرف بمخلاف جرش، وكان سكان المنطقة آنذاك كغيرهم في داخل الجزيرة العربية وخارجها تصلهم اخبار دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وجهاده للمشركين الذي توج بفتح مكة المكرمة في العام الثامن للهجرة ،‏ مما أدى الى دخول الناس في الاسلام وبادرت معظم حواضر الجزيرة العربية بإرسال وفودها، فشهد العام التاسع حركة وفود العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو العام الذي عرف بعام الوفود وكان من ضمنها وفد جرش الذي تزعمه صرد بن عبد الله الأزدي، وضم نفراً من أزد السراة الذين اعلنوا‏ اسلامهم بعد أن استقبلهم الرسول صلى الله عليه وسلم  وطلب منهم العودة لجهاد من كان يليهم من أهل الشرك من قبائل اليمن، بعد أن أمًر عليهم صرد بن عبدالله الأزدي الذي نجح في حصار جرش، وقتال أهلها ممن لم يستجيبوا لدعوته، حتى حملهم على الدخول في الاسلام ثم توجه وفد آخر منهم إلى ‏ الرسول فاستقبلهم الرسول صلى الله عليه وسلم مرحباً بهم قائلاً: " مرحبا بكم أحسن الناس وجوهاً، وأصدقهم لقاءً، وأطيبهم كلاماً، وأعظمهم أمانة، أنتم مني وأنا منكم" وأمرهم صلى الله عليه وسلم بالعودة بعد أن حمى لهم حمى حول مدينتهم على أعلام معروفة، وهكذا أصبح مخلاف جرش إحدى الحواضر‏الإسلامية، واستمر ازدهارها، وحققت شهرة كبيرة من خلال دورها في تصنيع وتصدير الجلود والنسيج الذي استمر حتى القرن الخامس الهجري، ولم تكن جرش فقط هي وحدها التي اشتهرت خلال العصر الاسلامي في تلك الجهات فحسب، وانما ظهرت في ساحل تهامة العديد من المدن الأخرى، التي لم تكن اقل أهمية من‏ جرش ومنها البرك او ما تسمى ببرك الغماد والتي مارست دورا مهما على درب الحاج اليمني الساحلي، حيث أسهم هذا الطريق في نشأة وازدهار العديد من القرى والمدن التي أدت دوراً بوصفها محطات على الطريق الذي يربط اليمن بمكة المكرمة، وكذلك موقع ضنكان الذي اشتهر بمناجم الذهب، وتعد هذه المدن من أبرز المدن التي‏ ظهرت على الأرجح منذ الفترة السابقة للإسلام، وحققت شهرة واسعة خلال العصر الإسلامي على نحو خاص، إلى جانب العديد من مدن وقرى السراة ومنها الجهوة،  وبيشة، وتبالة، وغيرها.‏

  

تويتر: @kassimalwaqt

عدد المشاهدات : 427


مشاركة الخبر